الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
281
مناهل العرفان في علوم القرآن
لهجاتهم ، وتباين وجوه نطقهم ، عرب تؤلف بينهم العروبة الواحدة ، ويجمعهم اللسان العربي العام . فأىّ عيب على القرآن إذا اختلفت حروف أدائه ، وكيفيات النطق بكلماته ، ليسع القبائل العربية جميعا ، وليتسنّى لها تلاوة ألفاظه ، وتفهّم معانيه ؟ ولئلا يقول أحد منها : لو جاء القرآن بلغتنا لكان لنا معه شأن ، ولأتينا بمثله ، وعارضنا بلاغته ! « وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » ( خامسا ) : قولهم إنه من المستحيل أن يكون القرآن الحالي حاويا لجميع ما أنزل الخ ، كلام مجرد من السند والحجة ، لا يستحق الرد ، فإن استندوا فيه إلى ما سبق فقد استندوا إلى أوهن من بيت العنكبوت ، وقد عرفت وجوه الوهن التي فيه . وإن استندوا إلى ما ذكروه بعد مما نسبوه لابن عمر ، فقد زادوا الطين بلّة ؛ لأن هذه النسبة إلى ابن عمر نسبة خاطئة كاذبة ، وعلى فرض صحتها فهي موقوفة وليست بمرفوعة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعلى فرض رفعها فهي معارضة للأدلة القاطعة المتوافرة في تواتر القرآن وسلامته من التغيير والزيادة والنقصان ، ومعارض القاطع ساقط مهما كانت قيمة سنده في خبر الواحد . ( سادسا ) : أن نهايتهم التي ختموا بها هذه الشبهة أقبح من بدايتهم ، لأنهم رتّبوها على تلك الأكاذيب والمهاترات ، ثم زادوا فيها اتهاما جديدا مجردا من السند والحجة أيضا ، وهو أن في آيات عديدة من القرآن اختلافات مدهشة ، ولا يعلم نصها الصحيح أحد ، وهكذا خرجوا من اتهام إلى اتهام ، واحتجوا بكذب على كذب ، وهانت عليهم كرامتهم وعقولهم ، فقالوا ما شاء لهم الهوى والتعصب إلى هذا الحد . وأنت خبير بأن القرآن الحالي وصل إلينا محفوظا من كل عبث كما نطق به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وكما خطّه اللّه تعالى بقلمه في لوحه . « وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » .